شجون بيروت
أغسطس 3rd, 2007 بواسطة فايز المعرّاوي
كتب فايز المعراوي صاحب المدونة الشامية لصالح مدونة تأملات تافهة.

“نعترف أمام الله الواحد نعترف..
أنا كنا منك نغار..
وكان جمالك يؤذينا..
نعترف!”
ما زال صوت ماجدة الرومي عالقاً بين ثنايا “نزول الكحالة” منذ أن ترافق مع زيارتي الأولى لبيروت بعد أن وضعت حربها مع نفسها أوزارها بنتيجة اتفاق الطائف الذي أصبح اليوم عند البعض عاراً وجب التخلص منه. كانت مشارف بيروت تقترب مني بسرعة أكبر من سرعة السيارة التي كنت أقودها قاصداً “ست الدنيا”، تلك التي ظلت عصيةً على التأقلم مع ذاتها منذ بدأت ذاتي تعي ذاتي. كانت كلمات ماجدة تزيد من سرعة اقتراب بيروت مني أو اقترابي منها، أو لربما كانت تلك الكلمات يومها ملامح مبكرةً لنهايةٍ لا اقتراب بعدها، وربما كانت بصيرتي يومها قاصرةً عن استشراف المستقبل الأسود الذي نعيشه اليوم، بعكس بصري الذي كان يستشرف غمامة سوداء كانت تكمل بقعةً جديدةً من سقف مدينة المتناقضات كلما عدت إليها بعد ذلك في رحلةٍ جديدة. لا أعلم بعد ما الذي يزيد التلوث في مدننا كلما ازداد عدد الراحلين عنها، أليست هذه بالله مفارقةٌ عجيبة؟!
كانت مباني بيروت يومها أشبه بقطعٍ من جبن “الروكفور” الفرنسي ولكن مع لمسةٍ بيروتيةٍ خاصة ضاعفت عدد الثقوب فيها ووشحتها بلون داكنٍ لا يشبه ألوان الجبن الفرنسي ولا حتى الأزرق منه. كان بالنسبة لي مشهداً مذهلاً بكل المقاييس إذ لم أكن يومها قد رأيت مناقيش اسمنتية كتلك من قبل ولم أر مثلها بعدُ من بعد، ولا كنت حتى رأيت أجبان “الروكفور” الفرنسية سوى في أفلام “توم وجيري” ولم يكن ظني بوجودها يتعدى ظني بوجود جيري نفسه! لله درك يا بيروت، كم أنت بارعةٌ في تقديم الأجبان الفرنسية بمناقيش عربية.
“لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله..
ولو كانوا آباءهم،
أو أبناءهم،
أو إخوانهم،
أو عشيرتهم”
كانت تلك الآية الكريمة تزين صدر غرفة الطعام في بيت الشيخ الشامي المجاهد وعنها بدأ حديثنا على طعام الغداء الذي دعانا إليه في ذلك اليوم البيروتي المحفور في ذاكرتي كنقشٍ فينيقي على حجارة بيبلوس، كان الشيخ الجليل يفتخر بأنه –وهو من أبرز رموز التيار الإسلامي منذ أربعينيات ذاك القرن- ما زال يعيش ويعمل في تلك المنطقة المصنفة “مسيحيةً” منذ أن لجأ إلى بيروت قبل عقود، وأنه لا يكاد يذكر أحداً من رموز تيارات بيروت المتطاحنة إلا ومر على تلك اللوحة وقرأ تلك الآية! أشتاق اليوم أن أعود لأسأله عن الأمر ذاته، وأسأله ما حال اللوحة اليوم، وهل يزوره اليوم فرقاء بيروت الجدد؟ وما حال من يقرؤها منهم؟ وما يظن حاله هو لو أنه طلب من بيروت أن تحتضنه اليوم وهو الشامي المجاهد في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس؟ هل ستفتح له ذراعيها وحضنها وقلبها كما فعلت قبل عقودٍ شتى أم أن قلب بيروت قد تصلب اليوم وحضنها قد ضاق إلا عن كوندي وثلة الزبانية؟!
لا أشك في أن أمراء بيروت الجدد سيجدون ما يصدون به الشيخ المجاهد، فتاريخه وحاضره ملطخان بالكرامة والعياذ بالله، ومسقط رأسه ومهوى فؤاده “دمشق” عافانا الله، وما زال ألف ألف سببٍ آخر يجعله اليوم ربما أثقل على قلوبهم من جبل صنين ليس أدناها تلك الآية التي يباهي بها ضيوفه إذ تنتهي بقوله تعالى “أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون”!!
كان أبي يسترجع معه ذكريات شبابهما المفعم بالمفاقيد، تلك التي أصبح الحديث عنها اليوم مبعثاً للسخرية والاستهزاء حتى من قبل من كنا نحتسبهم من أصحاب العلم والمعرفة والثقافة والمبادئ الراسخة، مفاقيد على شاكلة العزة والكرامة والنضال والتفاني والفداء، إلى آخر سلسلة المذمات هذه التي صرنا اليوم نتجنب ذكرها بين أخواننا قبل أعدائنا، ولعل أكثر أخواننا قد استعدوا أنفسهم حتى استعدونا فوجدوا في عدونا وعدو أنفسهم صديقاً صدوقاً فامتطوا أوامره من غيرما وعيٍ ولا تفكير، فالتفكير في تآمر المتآمرين إيمانٌ بنظرية المؤامرة، وهذا والعياذ بالله في قاموس المثقفين المبجلين كفرٌ بواح.
كان أبي يومها مختلفاً جداً عما كان عليه منذ أيام، حين تعرف إلى جوليا بطرس عبر قناة الجزيرة، ولولا الجزيرة لما ميز أبي هيفاء وهبي عن شعبان عبد الرحيم، فكلاهما بالنسبة لرجل فكرٍ “حقيقي” من المجاهيل العابرة. لم ألبث أن ذكرت لأبي قليلاً عن ضيفة “غسان بن جدو” الغريبة وما فعلته في ألبومها الأخير “أحبائي” حتى بدأت تغنيها على مسرحٍ بيروتيٍ حاشد. ولم تكد جوليا تنطق سوى بعنوان الأغنية حتى تسمرت مذهولةً أمام جمهورٍ أخذ يغني عنها بنسبة مئةٍ في المئة، رأيت عندها أبي يبكي “بفعل أغنية” لأول مرةٍ في سنواته التي تجاوزت السبعين، أو على الأقل تلك التي وعيتها منها. أكان بكاء أبي بفعل جوليا؟ أم كلماتها؟ أم جمهورها؟ أم بفعل ألمٍ على بيروت يعتصر قلوبنا وتأبى كرامتنا وعزتنا بها إلا قمعه ونكرانه؟!
لعله الألم ذاته ذاك الذي أشعل هواجس غريبةً في رأسي هذا الصيف لأزور بيروت بعد انقطاع سنوات فرضتها غربتي، لكن صدمتي كانت فادحةً حين لم أتمكن من ذلك. نعم لم يمنعني أحد، ولكنني منعت نفسي بعد كل ما قيل لي عما ينتظرني هناك من “ترحاب” سيلاحقني من أول نقطة حدودٍ في “المصنع” إلى آخر عشٍ بنته أنثى نورسٍ مهاجر على قمة صخرة الروشة، ترحابٍ لا يكون سوى لابن جيرانٍ لم يعد مرغوباً فيه، بعد أن تحرش بابنة جيرانه أو تحرشت به –لا فرق، فابنة الجيران الآن فقدت عذريتها بعد أن اغتصبت ألف مرة، ولم تجد أمامها من ملجأ سوى اتهامه. أوليس الجار أولى بجارته؟! بلى وربي، ولن تغضبني بيروت مهما قست وتكبرت، إذ لن تجد لجروحها من بلسمٍ سواي، وستعلم بعد حينٍ بأن الحب والاغتصاب لا يجتمعان أبداً، وسوف تعود إلي، وأعود.
ولكن، حتى ذلك الحين، سأروي لأولادي قصصاً عن كل زياراتي لبيروت -التي ضاقت اليوم عني- كما يروي لي أبي قصص زياراته للقدس ذات قرن، فبيروت التي احتضنت “ليسا غولدمان” وضاقت عني ستبقى بالنسبة لي كما هي القدس بالنسبة لأبي حتى يعود إليها وحتى أعود: بيروت المحتلة!!!
“نعترف أمام الله العادل نعترف..
بأنا لم ننصفك.. ولم نرحمك..
بأنا لم نفهمك.. ولم نعذرك..
وأهديناك مكان الوردة سكينا!
بأنا جرحناك.. وأنا أتعبناك..
بأنا أحرقناك.. وأدميناك..
وحملناك أيا بيروت معاصينا!”



سلامااات فايز:
ما باعرف كيف أشكرك لأنك خصصتني بهالمقال الرائع,
يا ريت كل اللبنانيي يقروه بقلبهم متل ما أنا قريته ليعرفوا أنو يللي بيننا أكبر من أنهم ينسفوه هالكم شلعوط القاعدين عالكراسي.
زينب.
……………………
هو شرفٌ كبيرٌ لي يا زينب فلا تشكريني، الواجب أن أشكرك أنا على ثقتك هذه التي أعتز بها.
أما عن أمنيتك، فاسمحي لي أن أوسعها قليلاً لتشمل العرب جميعهم، فقد استحكم الإعلام بقلوب الناس وعقولهم حتى ركنت إليه، ومات ما في القلوب من حس وما في العقول من فكر.
المشكلة يا شقيقتي ليست في “اللبنانيي” ولا في “السوريي”، المشكلة في “هالكم شلعوط القاعدين عالكراسي” من المحيط إلى الخليج!
والعوض بسلامتك.
أخي مجد، لعل صمتك أبلغ من أي كلام، ولعله عين الصواب هذه الأيام.
وأيضاً، العوض بسلامتك.
أخي فايز أهنئك من قلبي على هذا المقال الرائع
هل لأني مطلع على تفاصيل ماذكرت من ذكريات وأشخاص؟..أم لأن ضميري العربي الإسلامي يستصعب واقع التشويه الذي تتعرض له العلاقات العربية-العربية بفعل بعض العرب؟.. أم هو وقع الكلمة الصحيحة في المكان والزمان المناسبين؟
لا أستطيع أن أحدد تماماً سبب الدُميعات اللاتي اضطررت لمسحهنّ على عجالة في مكتبي في المشفى خوفاً من أن يطرق بابي أحد ما؟
يسرني أن أتعرّف على مدوّنة “زينب” تأملاتٍ تافهٌ مَن يراهى تافهة
الأستاذ فايز المحترم،
إنه مقال رائع جداً، ونشكرك على هذه الكلمات الرائعة التي أرجعت لنا ذكرياتنا القديمة. مع التوفيق.
كما قلت لزينب من قبل .. هذا أجمل ما قرأته هذه الفترة .. مع أني أقرا كثيرا هذه الأيام .. لكني لم أستغرب مدى جماله .. لأني أثق بعقل كاتبه و رؤيته للأمور ..و قد قلت له مرّة انه يغرف من عقلي و يكتب في أحيان كثيرة
ـ المشكلة تكمن في حبل صغير .. لم تتجـرّأ بيروت بعد على تعليقه في رقبة صهاينة العصر الذين يحملون أسماء عربية ..و يغتصبون شوارعها و يدّعون أنها خطّ أحمر أمام كل شريف و كل مؤمن بعروبة هذه اللوحة العربية الأصيلة التي تسمى ( بيروت) ..
ـ بيروت من تعبٍ و من ذهبٍ و أندلسٍ و شام
لم أسمع دمي من قبل ينطق باسم عاشقة
تنام على دمي .. و تنـام ..
جئنا الى بيروت من أسمائنا الأولى
نفتـّش عن نهايات الجنوب و عن وعاء القلب .
ـ و من المحيط الى الجحيم
و من الجحيم الى الخليج
شاهدت مشنقة فقط
شاهدت مشنقة بحبل واحد
من أجل مليوني .. عنــق
لا عليك يا جهاد، فالدمع أصبح هذه الأيام أكثر المباحات إباحةً، فافتح الأبواب على مصاريعها وباهي القلوب المتحجرة بقلبٍ ما زال به بقية من حياة - كان البكاء في الماضي سهلاً، أما اليوم فقلة فقط من تستطيع البكاء!
وأهنئك أخيراً على التعرف على مأوى التافهين الزينبي هذا، فأهلاً بك عضواً جديداً
جو أيها الديكتاتور، دع عنك سيرة المشانق كيلا تثور عليك حجافل دبابير الفرنجة الإنسانية التي تعادي عقوبة الإعدام إلا حين تنفذها طائرات الحرب الإسرائيلية بصواريخ جو-أرض تصطاد بها شيخاً قعيداً.
دع عنك المشانق يا صديقي كيلا تثور عليك الإنسانية الغربية. عليك اليوم بالإبر الموبوءة تحقن بها مئات الأطفال لتتوجك الإنسانية الغربية بطلاً وتمتطي لمرةٍ في حياتك براقاً رئاسياً لا يليق سوى بحماة حقوق الإنسان.
دع عنك العرب ومحيطهم وخليجهم، ولنتكلم فقط عن الجحيم، فإن استخدام أوصافٍ ثلاثةٍ حين يغني عنها واحد لهو لزوم ما لا يلزم!
ودع عنك التحرش بي لأنك خير من ينبش عش الدبابير المحتل لرأسي.. حتى رؤوسنا يا جو أصبحت محتلة.. وحين تهوج دبابير رأسي فادع لي “الله يسترني”.
بينك وبين زينب، أكاد أنسى أن لبيروت وجه آخر.. وجه هيفا واليسا ونانسي حبيبة قلبي
فما لكم تشوهون سمعتها أيها الخونة!
مافي حدا لاتندهي مافي حدا …………..!!!!!!!؟؟؟؟؟